هشام جعيط

183

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

أخرى ، مثل التاريخ الروماني أو الهلنيستي . ومع ذلك ، كان العرب يعلمون ، من خارج التأريخ ، أنّ هناك ماضيا سحيقا لا تظهر آثاره فقط في النص وهو ذاته وثيقة من القرن السابع ، بل تظهر أيضا في الذاكرة الجماعيّة لأن الابتكار لا يمكنه أن يكون مرتجلا . زد على ذلك أنّ تلك الآثار كانت منظورة في آثار البتراء وتدمر ومدن اليمن . من المؤكد أن العرب ، في فترة التنزيل ، كانوا مهيّأين للدخول في التاريخ الكبير ، وأن الذاكرة الجماعية في لحظة ما كانت تعلم أو تعتقد أنه كان هناك ماض قديم لكنّه مختلف ، وكانت تتعلّق بأسماء شعوب أو مدن - عاد ، ثمود ، إرم ، عمالقة ، جرهم ، طسم ، جديس - ربما كانت مجرّد أسطورة ، ولكنها لم تكن بلا أساس تاريخي ، فجاء القرآن وتورخها في كل حال « 1 » . هذه الأسماء نجدها في الشعر العربي قبل الإسلام ، لدى الشعراء المتأخرين كالأعشى أو أمية بن أبي السّلط « 2 » . وبوجه خاص ، كان مناهضو القرآن ، بشهادة القرآن ذاته ، يميلون إلى الاعتراف بهم ، بمعزل عن تصنيفهم في خانة « أساطير الأوّلين » « 3 » . وإن ما كان العرب يجهلونه هو تاريخ بني إسرائيل ، الأجنبي ، الغريب عنهم . في المقابل ، كان التاريخ الآخر مألوفا لديهم ، وكان ينهل من المنهل الخرافي - التاريخي العربي الصميم . عمليا ، كان ازدواج الوعي العربي القديم يترجم في آن الطابع التاريخي واللاتاريخي للواقع العربي . وكان هذا البحث عن الماضي المحلي المحض ، في القرآن والشعر والتراث الشفهي ، يشهد على البحث عن التواصل ، ولكن مما يلاحظ بشكل مرموق هو أن التراث الإخباري كان يطرح تفاصلا غريبا في مجرى التاريخي العربي . لئن كان القرآن يخضع الرؤيا القياميّة للتاريخ العربي - رؤية المدن البائدة والشعوب المنقرضة من غضب اللّه - للعبرة ، ولئن كان يحصر هذا التاريخ في سلسلة الأنبياء المنكرين ، فإنه يربطه أيضا بالجذع المشترك ، جذع إبراهيم ونوح وآدم ، وتاليا يعاود وضعه في الصيرورة البشرية والكونية ، لأن التورخة تستهدف الأصول . والحال ، فإنها تخبرنا أن العرب الأولين ، البائدة ، هم الوحيدون الذين كانوا من العاربة ، من العرب الحقيقيين ، وأن الآخرين ، المنحدرين من صلب عدنان بوجه خاص ، وكذلك من قحطان ، حسب البعض ، ربما كانوا من العرب المستعربة « 4 » ، أي من العرب غير الأصلاء جذريا والذين لم

--> ( 1 ) القرآن 7 ، 71 - 77 ؛ 9 ، 64 - 67 ؛ 15 ، 80 - 86 ؛ 54 ، 23 - 31 ؛ السيرة ، ص 68 - 71 ؛ المسعودي ، مروج ، ج 2 ، ص 153 - 155 ، 156 - 160 ، 161 - 178 ؛ الثعالبي ، قصص الأنبياء ، القاهرة 1290 ه ، ص 58 وما بعدها . ( 2 ) : Art . « Thamu - d » , E . I / I . الأسماء المذكورة هي أسماء عاد وثمود . ( 3 ) القرآن 83 ، 13 . ( 4 ) المسعودي ، مروج ، ج 2 ، ص 163 - 167 ؛ ابن حزم ، جمهرة ، ص 8 - 9 ، لا يتحدّث إلّا عن العاربة ؛ -